"تماماً كما يحلم الموظف بقتل رئيسه البغيض ثم يُنقذ من أن يقتله في الواقع، هكذا يعمل المؤلف؛ فبأحلامه الكبيرة يساعد قراءه على البقاء، يساعدهم على تجنب أشر النوايا. والمجتمع، دون إدراك من جانبه، يحترمه بل ويمجده، ولو بشيء من الغيرة والخوف بل والنفور، فقلة من الناس تروم اكتشاف ما يكمن بأعماق أرواحها من فظائع. تلك هي المهمة الأولى للأدب العظيم ولا مهمة غيرها."
إرنستو ساباتو (1911- )، روائي وناقد أرجنتيني. الإندبندنت (لندن، 20 يونيه 1992.)- عن البوتقه.

المشي..!
______
كانت تمشى وتبتسم.
تمشى دون وجهة محدده وتبتسم دون سبب بعينه.
هكذا، وهكذا فقط، حين يكون بالك خاليا،والطريق ممتد أمامك مثل منعطف جبلي مزروع بالجليد، أو درب ترابي طويل،يقطع أحراشا في غابه.
تمشي ،وتفكر أن بإمكانها أن تستمر إلى أن تتوقف قدماها من تلقاء نفسيهما.
هكذا تفكر وهي تمشي،يداها ساعة في جيوب بنطالها الخلفية وساعة الأماميّة،
تركل حجارة الطريق الصغيرة المسالمة بحذائها الرياضي دون توتر ،وساعة تعيد شعرها إلى الخلف بيدها اليسرى وتظل يدها اليمنى في جيبها الأيمن تتحسس البطانة الداخلية الناعمة للجيب ومرونة رباط صغير جدا من المطاط داخل الجيب،
وتمشي مثل أن تتمنى أن لا ينتهي الطريق ، ودون أن تفكر مثلا أن النهار بدأ بداية صحيحة، حيث تمطت مثل ثعلب راض عن نفسه وغادرت السرير بنشاط مفعم بالبهجة.
هكذا تمشي فقط دون ضرورة الإحساس بالوقت،في هدأة الظل واستكانة الأرض.
وتكاد تزعم أنها في حالة من الخدر لكثرة التبسم،تلك النشوة المجانية التي تأتيك بلا جهد،
تمشي فقط فتنتشي!
وهكذا كان،يعبث الهواء بشعرها فتعاود الكرّة،تعيده إلى الخلف بيدها و تحاول ألا تبحث عن سبب لسهام السعادة التي اتخذت منها مرمى،ولم يخطئها أي منها، تمشي فحسب،وتفكر أن بإمكانها أن تكتب قصة، ليست مثل أي قصة عن المشي.
تمشى فقط وتبتسم،تترك النسمات المنعشة تسقط على أي موقع من جسمها تختاره دون أن تقفل زرّا إضافيا أعلى الرقبة أو تجمع أطراف القميص الرياضي الخفيف فوق الفانلة القطنية،و الذي يهرب إلى الوراء كلما حثت الخطو إلى الأمام.
وكانت تبتسم كأنها في حلم خفيف رغم أنها لم تكن في حلم خفيف.
حين رأتها المرأة في متوسط العمر على الجانب الآخر على هذه الحال، ابتسمت بمكر وهى تبحث عن شيء في صحيفة محليه .ثم ما لبثت أن طوتها وحركت يدها باتجاهها،بالصحيفة،كأنها تحييها ،فابتسمت أكثر وهي تخرج يدها اليمنى من جيبها وتلوّح لها ،قبل أن تستدير و تختفي في مشيها الخاص.
أصبحت تمشى بخطوات واسعة ،وتترك لقدميها حرية تحديد الاتجاه،لأن عقلها كان نائما تقريبا بعد أن سرب هذه الخفة إلى الجسد،و تركها نهبا للابتسام وهي تمشي.
و فكرت بأن أفضل ما يمكن أن يحدث للإنسان ربما، يمكن أن يسترجعه كاملا أثناء المشي وربما بتفاصيل أكثر وضوحا،
وحين فكرت بذلك اتضحت ملامح الرجل في غبش الصبح على نحو سحري وكاشف،وهو يبتسم،فأخرجت يدها من جيبها الأيمن وأبعدت شعرها بكلتا يديها إلى الخلف وابتسمت أكثر ومشت كأنه يراها،ثم جمعت شعرها إلى الخلف على شكل ذيل حصان وهي تبطىء المشي وربطته بالمطاط الصغير وأسرعت أكثر،وتهيأ لها أن وجهه أكثر سمرة ولديه تجعيدتان عند زاويتي الفم لم ترهما من قبل تتسعان حين يضحك فابتسمت وخيل لها أنه يراها وهي تفكر به فارتبكت وأسرعت أكثر،وفكرت برسالته الأخيرة والكلام العذب الذي يقوله دائما كأنه شاعر ،وغرابة التشبيهات التي يطلقها عليها ،وكلام يشبه الحب في مجمله ويحذر من التصريح في تفاصيله،فتضحك وهي تمشي بسرعة وتفكر بأنه لو رآها الآن وقد بدأت تعرق ويحمر وجهها، ربما شعر بنفس سعادة المشي بلا هدف وربما مشي إلى جانبها في صمت وهو يبتسم،
وفكرت بأن ذلك سيكون رائعا وباعثا على البهجة، ربما أكثر،ولم تعد تشعر بقدميها وهي تتخيل أنها والرجل يمشيان باتجاه واحد،لا يعرفان إلى أين لكنه مشي واثق ومطمئن،وتشعر بجسدها خفيفا وبالكاد يمس حذائها الأرض و هي تمشي.
تمشي وتشعر ان قميصها يضيق عليها،يضيق فتتخلص منه وهي تمشي وتشعر بالزغب الخفيف على ساعديها والذي تحذرها منه العرافة مطلع كل شهر قمري ينمو بوتيرة أسرع ، أسرع من ان تتمكن من التخلص منه كما تفعل لتظل ذراعاها ناعمتان وبضتان ،
ينمو وهي تمشي وتفكر أن بإمكانها أن تكتب له كلاما يشع في الصباح كما يضىء في الليل مثل الشعر،وهي تمشي والزغب يتحول الى ريش خفيف فلا تشعر بخطوها على الأرض كأن غيمة تحملها أو تنتشر حولها وهي ترتفع،
تفكر بالورد الغريب الذي يحضره لها كل مرة وهو يبحث عن سبب، ترتفع وقلبها يخفق مثل عصفور يشعر بالبرد وتبتسم،ترتفع وبالكاد تنتبه لما حولها، ربما بما يكفي فقط لأن تستمر بأمان وهي ترتفع، وتنسى تحذيرات مخاطر السماح للزغب بالنمو هكذا حتى يتحول الى ريش،
تنظر للمرأة من هذا العلو الشاهق،وهي تشير إلى السماء صوبها بالضبط ،الى الغيمة البيضاء التي تنظر من خلالها للصبي الذي يشير نحوها هو الآخر ويبتسم لارتفاعها السحري،يسأل المرأة ربما عنها؟تقول له أن الحب يفعل أكثر ،وتشعر أن المرأة صادقة مع نفسها وهي تهز رأسها يمنى ويسرى بإعجاب يقترب من البهجة، وتفكر أن الأمر لا بد وان يكون كذلك.