"تماماً كما يحلم الموظف بقتل رئيسه البغيض ثم يُنقذ من أن يقتله في الواقع، هكذا يعمل المؤلف؛ فبأحلامه الكبيرة يساعد قراءه على البقاء، يساعدهم على تجنب أشر النوايا. والمجتمع، دون إدراك من جانبه، يحترمه بل ويمجده، ولو بشيء من الغيرة والخوف بل والنفور، فقلة من الناس تروم اكتشاف ما يكمن بأعماق أرواحها من فظائع. تلك هي المهمة الأولى للأدب العظيم ولا مهمة غيرها."
إرنستو ساباتو (1911- )، روائي وناقد أرجنتيني. الإندبندنت (لندن، 20 يونيه 1992.)- عن البوتقه.


مرايانا.
1
غافلنا الوقت فامتدت بنا المسافة..ولمعت في سماءنا بروق ليس بينها وبين المطر قربى،فما جنحت بنا الخطى صوب مسالك تشهّيناها أول الدرب..ولا فاجأتنا المسالك.نضرب في الرحابة وخلفنا سحائب الأحلام.. يراود ظلها الشمس..عرّشت فوق القلوب حتى أوقفتنا في اللهفة ، وما أصبنا الرذاذ.
2
يتسع البياض ،ولا ناي يزفُّ لنا اقتراب الحقول ..وقد غادرت ألوانها ..أو يثقل خطونا على ماء الظنون..تهزمنا القلوب..وقد لانت..تسلمنا الى أقدار شوق وسهاد..تمر على دم الوجد، وتتهجّى الحكمة في التصاريف..
3
كيف نصل الحكمة وأيدينا في أوجاع الحرقة وطيش الرتابه..؟.تنهشنا ضواري الغيرة، وتهرب أجسادنا إلى الأرق خوف الرؤى.هل طعنّا في سورة ا الإنتظار فما عدنا نرى غير دمنا في الشفق، ورجفة قلوبنا في انحناء النخل، أم لم يتجاوز الحب بنا سر العذاب ؟
4
إذن .ما كل هذا العسف الذي نمشى فيه بصمت الحالمين وندّعى أننا ..أسرى الظروف.نخبىء وحشة الليل في حداء أعزل يشق سكون التوجس،ونحسن الظن بما يغسل الروح من أنين الرجاء...ولا جدوى.
5
غافلتنا المسافه...،جمعت مرايا الوقت وخبأتها في ازدحام الغرور وما انتبهنا.فلما أتى على جرأتنا حين من الدهر،بحثنا عن مرايانا،وليتنا لم نحث الخطى صوبها،أو غضضنا الطرف حين تَواجَهنا.تُهنا كثيرا فألبسنا الصفات ما ليس يشبهها....حتى غدا الإنصاف قدحاً...والخوف..قدر،
6
وما اعترفنا.!
7
جازفنا باجتياز البحر ، لا بوصلة ولا مناره.واختصرنا بأحلامنا الفلوات ، فما رأفت بنا مرافىء ولا أسلمتنا الرمال لغير الريح..فهاجر حزن..وانفض سامر..ورغمت أنوف..
8
أيّ الطَّعن أجدى؟نَصْل بين رئتين..نفي على نفي..أم الليل يسقط في الصبح..هجرة بعد أخرى.
9
هات يدك..ليس لصمتك غير صمتي،وإن شقّت الريح بحرا لمسراها.ولا لكلامك غير قلبي، تآكلت الحكمة، وشرق الصبر،وتبعثر ذهب السكوت..فاضت بنا أنهار الحنين، فاضت..واختصرت براكين أقدارها، ووجلت شموس،وما ثُبنا لغير الجنون..
10
أما آن الآوان.. لتخلد المسافات إلى غفوه..وتوقفنا في العناد.؟فما خلف هذا الباب غير وجوهنا..هات يدك.قد رأينا المرايا .....وطاش الألم...واقتسمنا السراب..وفراشة الروح أتعبها الرفيف...