ما لا يرى النائم. ________________________________________
اصعب اليقظة ،فى هدأة الكون،وغياب الكائنات،وهدنة الحياة.
قبل ان تستعرض الشمس ذهبها على الملأ، او تضن بطلتها البهيه.
وقتها، لا تستيقظ اعضاءك كلها فى ذات اللحظه،ولا مشاعرك .تسير بقدمك اليمنى الى مصدر اليقظه، وتجر اليسرى خلفك وهى لا تدرى الى اين تاخذها فى هذه العتمه،لكنها تتبعك مضطره،
اليسرى دائما، تستيقظ متأخرة لانك تنام على جهة القلب.
تمسك بيدك اليمنى مقبض الباب،وتكون اليسرى مسدلة الى جانبك كجناح مطوى ،تنعم بلحظات اضافية من غيبوبة الفجر،
تحاول ان تستعيد سبب يقظتك من جديد بنفس التدبير المتفق عليه مع باقى الجسد،وحين ترش الماء على وجهك وانت تتوضأ، جزء يسير من عقلك يستيقظ فقط،
لتعرف ماذا قلت لخالقك بالضبط، قبل ان ترجوه ان يمنحك خير اليوم ويكفيك شره.
وتقرر ان ما قلت لم يكن كافيا، ضنينا وقصيرا،ومثل كل يوم.
1
اجمل اليقظة اول الاشياء،اول صديق، اول سر،اول شطر مما حسبته شعرا، اول حبيب،وآخر.
اول طفل ،اول اشياء ذلك الملاك العجيب،ودفق معجزاته الذى لا يتوقف ،
ان تحتضن امرأة تحيلك الى ريشة فى مهب الريح لا تعرف من اى جناح سقطت ولا على اى تراب تحط، تتلاشى ملامح النساء فلا ترى غير انسيابها على صفحة وجودك مثل قطرة ندى، او نار خرافيه.
ان تنظر الى رجل يلملم تقاطيع روحك بين راحتيه حتى لتحسبهما من اثير،
ويودع هذياناتاك المجهدة خزائن قلبه ويتركها حتى تهدأ ،فلا تعرف ملاذا للحياة او الموت سوى دفء ضلوعه
2
اصعب اليقظة طفل ابنوسى اشقر لم تستطع يدك الممدودة بالرغيف ان تصل الى يده الضامرة،
عيناك تظلان معلقتين بنظرته الخادره،مثل خيط حياه يتأرجح بينكما،ولا تستطيع لمسه ،لأن الزمن قد قرر انك استنفذت اكثر من حصتك مما يرى النائم، فى بعثرة الخبز والرياحين وكسوة الاعياد على استدارة الكون وامتداد الافق.
تستيقظ ويدك مضمومة الى قلبك بانتظار كوة صغيره تنفتح على حين غرة.تنفذ منها يدك او تنفذ كلك،متجاوزا كل طقوس الممكن،باحثا عن وجهه المتوسل،ودائما، تنتظر.
3
اجمل اليقظة ان تفتح عينيك على وجه مألوف يبتسم على الوسادة الاخرى بحب فائض عن حاجة الصباح ،يتأملك فى غيابك الفوضوى المؤقت،لايهمه كيف تبدو،ولاكيف ربطه القدر بك وانت على هذا النحو المدمر، يعرف انك هو لفرط اشتعال المغفره وانه انت من لوعة الحب .ويطلب اليك ان تواصل النوم فرغم كل ما حدث ليلة البارحة، تبدو الامور على اكثر ممايرام،
تستسلم له فى طاعة اقرب الى العبودية بمحض الاختيار،تتمدد فى حنانه المضنى بلا اسئله وتغمض عينيك وانت لا تدرى حقا مالذى حدث البارحة ولا لماذا لا يجب ان تكون الامور كذلك.
4
اصعب اليقظة حين ينجلى عماء القلب المقيم، فتتحطم نوافذه المغلقة وتندفع كائناته المبهجة نحو مسارب الفرح .
ان تبرأ من حمى الكلام فى مقام الصمت واثم التفاسير،فتغرف من ذهب الحكمة وانت تنظر الى الكون معجبا ومتعجبا،
تعيد ترتيبه لمرة اخيرة بما يكفى لاكمال حياة ناقصه.
تستدعى لهاثك فى طول الحياة وعرضها،وتقترب من شبه الحقيقة .
تسال طفلك الذى عددت اصابعه للتو: فى اى صف انت الآن؟
يجيبك بصوت اجش اختفت منه لثغة الراء انه فى الثانوية العامه،
تظل محدقا فيه لبرهة، فى فورة الشباب الطافح من عوده الاخضر،فى نحوله الجميل قبل ان يتحول الى كتلة من الطيش و التمرد المبرح .
تقول لنفسك، تستطيع الثورة ان تنتظر،او فلتبدأ دونى،وتدرك ان مافاتك من هذا الطفل الذى كبر فجاه، حتى الان، لا تستطيع اعتى الثورات ان تعوضك عنه.
5
تحشد اعترافاتك فى تلك اللحظه الصافيه، مثل كذبة بيضاء .
ذنوبك،آمالك،ما ظهر من النوايا وما بطن،
تعيد سيفك الى غمده بعد ان بضع فى شبه الحياة صاعدا ونازلا فى كل الجهات
تقرر ان تحيا بدل ان تعيش تاركا ما لله لله وما لقيصر ..لقيصر
تعقد العزم ان تترك رئيسك فى العمل لحاله الذى لن ينصلح،
والذى فقد اهميته على نحو مفاجئ وصريح .
وجارك المزعج لموسيقاه،تثقب ما تشاء،وعواءه يتدحرج مثل ضلال سافر.
ترأف بالكمال،والمثال،والثريا،والسمو والعلا والليالى والنجوم التى لاتطال
وترى ان تفتح صفحة جديدة مما تبقى من كتاب العمر
تصالح بها الحياه،والأحياء، والموتى،
اذ رأيت فى ما لايرى النائم انك اسرفت فى السؤال والمساءله ،فى العتاب والبحث عن دوافع الاسباب .
تتصافى،
تشف وتخف، وترتفع
وتداخلك الرعشة من بهاء الوقت وانت تتقدم نحو اليقظة بخطى من نور..
تقلب الصفحة فى الدفتر الابيض،
تقلب الصفحة والدفتر ابيض ،
وترى فى ما لا يرى النائم، بياضا غامرا،وضياء ،
حديقة تتجرد من الوانها وبحر يغادر شاطئه ،
وانوار تتخافت فى فضاء رحيب ،
تسبح فى سكينه من تمام العقل،فترى غابة بلا شجر ونهرا بلا ماء،
بياض يتناثر مثل ثلج لا يتورع ،
رقائق ورد ابيض يتساقط مثل زغب الحمام،
يصغر الكون ويتحول الى فسحة بحجمك تماما،
تشعر مثل تفاحة الجنه ،اترتمى على الارض قبل ان يستأثم احد بقطفها،ام تبقى على الغصن تنفيذا لمشيئة الخالق،
تمتد يدك الى الوسادة الاخرى فى محبة خالصة بلا شوائب ..
ترفع رأسك تأهبا ليقظة مختلفه،
يقظة الصفاء والرضا،
لكنك لا تستيقظ ابدا..مهما حاولت.
تلك اصعب اليقظة ، لا ينازعها شئ.
اليقظة التى فات اوانها .