
الخيول..
_________
جاء الليل في وقته تماما.هو دائما يأتي هنا ..في نفس الوقت ، ليس بعد غياب الشمس او انشطار الزمن الى نصفين متماثلين يمين ويسار ساعة مكتب البريد مثلا.كل ما قبل ذلك تحضيرات لقدومه.التدرج في انسحاب الضوء، تناقص الحركة في الطرقات، عودة الناس إلى أماكن المبيت، وصولا إلى صفاء العتمة الباسله،استسلام الهواء للهدوء، وانعطاف الكلام صوب الرقّه.ونحن تحضرّنا للليل كما نفعل منذ بدء الخليقه.وكما هو متوقع من مخلوقات شغوفة بالأجساد، تتوجس المجهول وترنو إلى حصان الحلم يخب صوبنا ضاحكا وأليفا ،وقلنا "الصباح رباح".في تلك الساعة من ذلك الليل، سقط السواد على كل شيء صافيا، صقيلا،لم تخدش كثافته ذرة ضوء شارد، ولا تأوهت ريح جرحها مضاؤه ، في طريقها إلى البيت.عماء مطبق يتحسس الطريق الى نفسه. وسواد لا يليق إلا بليل كهذا .كنا عائدين بنهار مثخن وشبه ميت. حملناه طول الطريق وما اشتكينا. كنا ، كلنا ،نحن الذين حملنا جثته الساخنة فوق أكتافنا، متأكدين أن لا جدوى من الشكوى،وأن الأمر فوق قدرتنا على تفكيك الألم.عدنا محملين بخيبات تفوق أحجامنا البائسه،بعد أن ودعنا آخر عطف الشمس-شاهد عرينا الأزلي- وانحدرنا صوب بئر الليل..علنا نهبط على سرج الحلم سالمين.لا أعلم إن كنا استوعبنا ولو قليلا مارأيناه في طريقنا ما بين نهار ثقيل محمول على أكتاف متعبة ، وبين اندلاع الظلام.ما الذي سمعناه.أو مالذي اخترق طراوة الهواء وحط في الصدور مثل رخام بارد.ماالذي حدث وضيّعنا هكذا في ضباب الحيرة.نحن نمرّ من نفس الطريق كل يوم من أيامنا الهاربة ، ونرى كل شيء..كل شيء،نغض البصر حينا وتخنقنا العبرات أحيانا،وربما رفعنا أصواتنا أو ضربنا الريح بقبضات اليأس، ورشقنا الجدران بالسباب العقيم،لكننا كنا نعود دائما مفعمين باللهفة للارتماء في حضن الحلم، ضمادة الجرح،وردة الأمل البيضاء،وصدر الحبيبة،وضحكة الطفل الغرير.وحده يفرد عنفوانه لأجسادنا الفانيه..نسرجه نحو السماء،بأجنحة من ريش أخضر،غيمة من وجيب الماء،وحقلا من حنطة وآنية ترشح عسلا مصفى.ونحن، بعد ان وضعنا النهار جانبا قرب إخوته، انصرفنا الى شؤون أقل أهمية من استدراج النوم حتى وصلنا حافة البئر نهاية الأمر ودون ان نتذكر مالذي حدث لجثة النهار قبل أن نحمله على أكتافنا،ونحن نحث أجسادنا صوب الليل.لكن النوم جرحنا ذلك المساء.حين انقلبنا الى اليسار لم نجد الحصان نسرجه الى حقول البهجة،لا طلعت وردة بيضاء،ولا زهت حنطة تحت غيمة. وحين عدنا لليمين لم نصطدم بثدي نافر كرأس قط بري ولا بآنية من عسل مصفّى. لم تحظ أجسادنا المرهقة بغير موت خفيف..سقطت الشمس مالحة وضخمة ،على نهار جديد أثقل من أن نتمكن من حمله، فجررناه خلفنا وقطعنا الطريق نفسه وجروحنا الليلية مفتوحة على آخرها.ماالذي رأيناه ، سمعناه، حدث أمامنا، جيئة ورواحا وجعلنا نزحف صوب الليل تحت ثقل النهار،واتساع الجروح،وخفق الحزن الرتيب.ارتمينا على عتبات السواد ولم يكن الصباح رباحا،ولم نتمكن من رميه قرب إخوته ونمضي في انتظار الصهيل، أو نهيء الغيم لسقي الحقول.ارتمينا الى جانبه وتمنينا ان تحظى أجسادنا بمجرد موت طفيف بلا ألم.تكررت النهارات بعد ذلك..ندفعها أمامنا في الذهاب و نسحبها وراءنا في العودة...لم نعد نرى خيلا تقطع بنا برّية الليل..وتحملنا الى بهجة الوعود.لم ندر مالذي حدث.لكننا صرنا نسقط في النوم كل ليلة فنسمع ارتطام أجسادنا الواهنة بإسفلت العدم.ولا مهر واحد يتقدم نحونا ،يتمسح بصدورنا ، او ينحني ليعدو بنا ولو مرة أخيرة، في السهوب البعيده.____________________