"تماماً كما يحلم الموظف بقتل رئيسه البغيض ثم يُنقذ من أن يقتله في الواقع، هكذا يعمل المؤلف؛ فبأحلامه الكبيرة يساعد قراءه على البقاء، يساعدهم على تجنب أشر النوايا. والمجتمع، دون إدراك من جانبه، يحترمه بل ويمجده، ولو بشيء من الغيرة والخوف بل والنفور، فقلة من الناس تروم اكتشاف ما يكمن بأعماق أرواحها من فظائع. تلك هي المهمة الأولى للأدب العظيم ولا مهمة غيرها."
إرنستو ساباتو (1911- )، روائي وناقد أرجنتيني. الإندبندنت (لندن، 20 يونيه 1992.)- عن البوتقه.


فادح بؤسنا..يا طيّب!
حزن كهذا ..ينبغى ألاّ يترك لنفسه.. يقتات على كون كامل من انهيار الأخلاق وهزائم الضمير.حزن يتباهى ..بأخبار الصباح ..التى كانت أقل أو أشد حمرة في الليلة الفائته..ويضيفها إلى دائرته لتضيق أو تتسع..فيفتح رمانة القلب السخيّه....ينثر حباتها ..وهو يدلف الى شوارع مطمئنه..الى بلادتها وفقرها وغربائها،عوادم سياراتها تفترس المارّة والتلاميذ ،وبناياتها الشاهقة تفتك بالسماءوتلتهم قرص الشمس.

يستقوى..بالشحاذين الذين يفقأون عين الرفاهية فى الأحياء المعزولة عن الضجيج..ويروغون من دوريات الشرطة بمهارة الثعالب..يشد أزره ذوي الإحتياجات الخاصه ،الذين يقفون وأيديهم على عجلات كراسيهم المتحركه أو عكازاتهم..أمام أرصفة بارتفاع خيبة الرجاء..وانحسار الثقه..والاحتياجات خارقة الخصوصيه!يتضور..لأن أبا يضرب ابنه بحزم على الملأ.. أمام العيون المتشفيه..ويفرط فى إظهار توحشه..على طفل همست له لعبة من على رف السوبرماركت.. ينفس عن غضب آخر.. على من سلبه كرامة المواجهه..و لا يستطيع طعنه بكل هذه الحرقه..والغل.يتحول ..الى عاصفة..تتأزم عند مرأى العمال المفاجيء..الذي نبت فى مساء خارج عن الإراده..فعتم لون الأفق لكثرة الملابس الزرقاء التي اعترضت طريق الغروب..وانتشرت بين النخل..والدوّارات المزروعة بالأزهار الموسمية..والمساحات الفارغة بين مكوّنات الهواء..وكأنها انهمرت من عين الشمس الضخمة قبل الرحيل..لمجرد أن قرارا صدر بمنع حافلاتهم من التواجد فى الشوارع ما بين الفجر والغروب ، درءاً لاختناقات المرور..ولتختنق طاقتهم على الإحتمال، ورئاتهم بمسيرة إضافية تنحت فى الأرجل المتعبة..حاملين أوجاعهم إلى مخادع مكتظة بالآلام والرفاق..والتقاويم السنوية المتآكلة...ونقمتهم علينا.!
حزن كهذا ..ينبغي ألا يترك لنفسه..يخيط لفضائه رداء شديد السواد...من منظر الباحثين عن الحب في الشوارع الخلفية..ببطاقات مدفوعة الثمن..وإكراميات تفوق مستوى الخدمه!
فادح بؤسنا يا طيب!...وليمة من الكوابيس..وفاره بحمولته الفخمة من الخيبات..والفجائع.. كيف يمكن أن تعبر اللحظة، قنطرة التعاسة كاملة إلى ضفة الرجاء.. وتحت القنطرة أوطان تئن..مثخنة بجراح بنيها..تجمع قتلاها المشدوهين الذين ذهبوا باسمها وقاتليهم الغاضبين.. الذين جاءوا باسمها أيضا!فم الكلام يضيق..وتطرف عين الحقيقه دقق فقط بصور الأربع والعشرين يتيما من أحباب الله..وغص بدمعك حد الإختناق..وأنت تتفحص عظامهم الناتئه وأرجلهم المقيدة الى أسرّة الحديد..عراة وجوعى..وملقون على وجوههم كنفاية..لا يرغب بمنظرها أحد..انزل بدمعك على تخلفهم العقلي..وتخلفنا العقلي المضاعف..وتخلفنا الانساني الذى لا يحد..ودع قلبك يضرب نفسه بضلوعك مرة بعد مرة بعد مره..علك توصل هذا الضجيج الى قلوبهم الصغيرة التى تفر الى الحيرة في هذا العذاب..مأتم ناصع السواد هذا الليل..والجنازة الهائلة ما زالت فى أوجها
ندفن من ؟ننعى من ؟نؤبن من؟ وبمن نتلقى التعازى ونحن زاد الجنازه ؟ا
لله وحده القادر على تخليصنا من هذه الورطة ..-الحياة- على نحو عادل.و ربما .ربما..منحنا فرصة أخرى، علّنا نتمكن من حل اللغز بأنفسنا..و نترك الإستنجاد برحمته للمستحيلات الأهم..والأكثر إلحاحا...كأن يصدر قرار بإلغاء الإنتخابات المضحكة حد البكاء، والفتاوى الأشد إضحاكا.أو تندلع النار في مستودعات ألاكاذيب..فتخدش الحقائق الحياء العام..والمزيف..,أن نستيقظ ذات يوم ويقال أن ثورة المقهورين والمحرومين والجياع قد بدأت من مكان ما..فنقول..آمنا...يحيىّ العظام وهي رميم!أن يصبح الرغيف وافرا والعلم فى اليد....والأمراض المستعصية خبرا لكان..أو إحدى أخواتها..وألا يسمع أحد لا بأسلحة دمار شامل او غير شامل.. او سوق أسهم أو نبال.. ولا بالجات ..و المجاعات.. و كل ما فات.!...أو أن نموت بشجاعة وأيدينا على القدرة على الحلم.. على الأقل...وعلى سبيل المثال.!